طاهر سليمان حموده
57
جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )
وكان إلى جانب هذه المدارس مكاتب صغيرة ملحقة بها تعنى بتعليم الصبية مبادئ القراءة والكتابة وطرفا من العلوم الأولية وتحفيظ القرآن ، وكانت هذه المكاتب تمهد للالتحاق بالمدارس الكبيرة . وكانت هذه المدارس بمثابة جامعات علمية عظيمة الشأن من حيث طريقة التدريس ومستوى الدراسة ونظم التلقي والإقامة ، وكان لها نظم وقواعد محكمة ومرعية في مختلف مناحيها ، بل إنها تمتاز عن الجامعات الحديثة بأن طلابها كانوا لا يجدون من العقبات والعوائق ما يحول بينهم وبين تحصيل العلوم فضلا عما كانوا ينالونه من ضروب التيسير والمساعدة . وقد روعي في تصميم المدارس الأغراض التعليمية وعدد المذاهب ومساكن الطلبة والمعيدين فضلا عن خزائن الكتب والمصاحف ، ولم يكن بناء المدرسة مستقلا في كثير من الأحيان ، بل كان بناء ملحقا بالقبة التي بناها السلطان أو الأمير منشئ المدرسة ليدفن فيها بعد وفاته ، ومبعث اختيارهم أن يدفنوا إلى جوار المدارس هو طلب الرحمة باعتبار المدارس أماكن تدرس فيها العلوم الدينية « 1 » ، وكان بالمدرسة مسجد وله عدد من المؤذنين وكان يؤم المصلين بها أحد القائمين بالتدريس أو المعيدين « 2 » . وجرت العادة عند الفراغ من بناء مدرسة للسلطان أن يحتفل بافتتاحها في حفل كبير يحضره الأمراء والفقهاء والقضاة والأعيان ويأكلون من سماط يزخر بألوان الأطعمة ، ثم يخلع السلطان على كل من أسهم في بناء المدرسة « 3 » ، ويعيرى لها موظفيها من المدرسين والمعيدين والمؤذنين والقراء وغيرهم . أما العلوم الأساسية التي كانت تدرس في هذه المدارس فقد ارتبطت بأصول الدين كالفقه والحديث والتفسير أو العلوم اللغوية وما يتصل بها كالنحو والصرف والبيان ، فضلا عن الدراسات العقلية كالفلسفة والمنطق أو العلوم العملية كالفلك والكيمياء والطب .
--> ( 1 ) د . سعيد عاشور : المجتمع المصري ص 149 . ( 2 ) راجع : ابن دقماق : الانتصار : الكلام عن المدرسة الطيبرسية ج 4 ص 96 . ( 3 ) راجع على سبيل المثال افتتاح مدرسة السلطان حسن : بدائع الزهور ج 1 ص 204 .